السيد محمد تقي المدرسي

141

من هدى القرآن

[ 52 ] الكثير من المؤمنين يفقدون إحساسهم بشخصيتهم ، وثقتهم بذاتهم إذا وجدوا أنفسهم فئة قليلة ، فينهارون أمام ضغوط الكفار ، وهنا يحذر الله الرسول من هذه السلبية إذ يقول : فَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً أي جاهد الكفار بسلاح القرآن جهادا لا هوادة فيه . وقد قال بعض المفسرين أن الجهاد الأكبر هنا هو جهاد الكلمة والحجة ، ولكن السياق لا يدل على هذا التفسير ، لأن التعبير في هذا المورد أشمل من أن يدل على جهاد الكلمة فحسب ، لأن المؤمن حينما يرفض طاعة الكفار أو الاستسلام لأفكارهم وضغوطهم ، فذلك يجره لخوض المعارك معهم مما يجعله يدخل الصراع بجهاد أكبر ، ومن جميع الأنواع وفي مختلف الجبهات ، ولابد أن يعرف الكفار أن مخالفتهم للرسالة تعرضهم للخطر من موقعين ، من عند الله ومن عند رسوله والمؤمنين . فلا يحسبوا أن النعم التي خشوا زوالها بالإيمان سوف تستمر لهم إن هم كفروا بالوحي ، كلا . . سوف يعلن الرسول جهادا كبيرا عليهم سواء بالكلمة الصاعقة أو بالسيف الصارم أو بوسائل ضاغطة أخرى . ونتساءل ماذا تعني كلمة بِهِ هنا ؟ . الجواب : إن القرآن ذاته نهج الجهاد الثقافي والسياسي والاقتصادي والعسكري ، فالجهاد يتم بالقرآن شاملا متكاملا مستمرا . [ 53 ] ولقد حذرنا الرب نفسه ، وأبلغنا واسع قدرته ، وذكرنا بآياته في الخلق . أفلا نخشاه ؟ ! دعنا نقرأ في كتاب الطبيعة أسماء ربنا العزيز المقتدر . . دعنا نخرق حجب الظاهر إلى غيب الحقائق . . هذه المياه التي أقرب ما تكون إلى الامتزاج بها ، يجريها الرب في مجاريها بحرين مختلفين هذا عذب فرات ، وهذا ملح أجاج ، ويجعل بينهما فاصلا يحجز هذا عن ذاك . أوليست تلك علامات القدرة وشواهد الحكمة ؟ ! . فما أكثر من يتحدى ربا هذه آياته وتلك هي أسماؤه الحسنى . وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً العذب هو الماء الحلو ، والفرات هو أحلى المياه ، والملح هو الماء المالح ، والأجاج هو أشد المياه ملوحة ، والبرزخ هو السد الذي يمنع الماءين من الاختلاط ببعضهما . [ 54 ] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً وكما جعل الله الاختلاف في المياه ، جعل ذلك في بني البشر ، فالناس كلهم من ماء واحد ، وأرض واحدة ، إلا إنهم يختلفون بالنسب والصهر عن بعضهم ، فالبعض ينتسب إلى الآخرين عبر النسب كالأب والأخ والابن . الخ ، وبعضهم ينتسب للآخرين عبر التصاهر بالزواج . [ 55 ] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وتسأل : وهل عبادة الإنسان